ابن الجوزي
280
صيد الخاطر
الطعام . وصارت الشريعة عندهم كلام أبي يزيد والشبلي والمتصوفة ، ومعلوم أن من سبر الشريعة لم ير فيها من ذاك شيئا . وأما الأمراء فجروا مع العادات ، وسموا ما يفعلونه من القتل والقطع سياسات ، لم يعملوا فيها بمقتضى الشريعة ، وتبع الأخير في ذلك المتقدم فأين الشريعة المحمدية ومن أين تعرف مع الاعراض عن المنقولات ؟ نسأل اللّه عز وجل التوفيق للقيام بالشريعة ، والإعانة على رد البدع انه قادر . 235 - لذات الدنيا مشوبة بنغص كنت أسمع علي بن الحسين الواعظ يقول على المنبر : واللّه لقد بكيت البارحة من يد نفسي . فبقيت أنا أتفكر وأقول : أي شيء قد فعلت نفس هذا حتى يبكي . هذا رجل متنعم له الجواري التركيات . وقد بلغني أنه تزوج في السر بجملة من النساء ، ولا يطعم إلا الغاية من الدجاج والحلوى ، وله الدخل الكثير والمال الوافر والجاه العريض ، والافضال على الناس ، وقد حصل طرفا من العلم ، واستعبد كثيرا من العلماء بمعروفه ، وراحته دائمة . فما الذي يبكيه ؟ فتفكرت فعلمت أن النفس لا تقف على حد بل تروم من اللذات ما لا منتهى له ، وكلما حصل لها غرض برد عندها وطلبت سواه . فيفنى العمر ويضعف البدن ويقع النقص ، ويرق الجاه ، ولا يحصل المراد وليس في الدنيا أبله « 1 » ممن يطلب النهاية في لذات الدنيا وليس في الدنيا على الحقيقة لذة ، إنما هي راحة من مؤلم . فالسعيد من إذا حصلت له امرأة أو جارية فمال إليها ومالت اليه ، وعلم سترها ودينها ، أن يعقد الخنصر على صحبتها . وأكثر أسباب دوام محبتها أن لا يطلق بصره . فمتى أطلق بصره أو أطمع نفسه في غيرها فإن الطمع في الجديد ينغص الخلق وينقص المخالطة ، ويستر عيوب الخارج ، فتميل النفس إلى المشاهد الغريب ، ويتكدر العيش مع الحاضر القريب كما قال الشاعر : والمرء ما دام ذا عين يقلبها * في أعين الناس « 2 » موقوف على الخطر
--> ( 1 ) القياس أن يقول « أشد بلاهة » ، لان أبله صفة . لا يجيء منها أفعل التفضيل . ( 2 ) الذي احفظه - في أعين العين - والعين جمع عيناء . ومنه الحور العين - والحور جمع حوراء وهي التي في العين منها حور - وهي أبيات جيدة أولها : كل المصائب مبداها من النظر * ومعظم النار من مستصغر الشرر